مجمع البحوث الاسلامية

30

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ولا يخفى حال هذه الأقوال ، وكان مراد من قال : المتحسّر : الرّجل ، ومن قال : المتحسّر : الرّسل ؛ عنى أنّ القول المذكور قول الرّجل أو قول الرّسل ، وفي كلام أبي حيّان ما هو ظاهر في ذلك ، ومع هذا لا ينبغي أن يعوّل على شيء ممّا ذكر . وجوّز أن يكون التّحسّر منه سبحانه وتعالى ، مجازا عن استعظام ما جنوه على أنفسهم ، وأيّد بأنّه قرئ ( يا حسرتا على العباد ) فإنّ الأصل عليها يا حسرتي ، فقلبت الياء ألفا ، ونحوها قراءة ابن عبّاس كما قال ابن خالويه ( يا حسرة على العباد ) بغير تنوين ، فإنّ الأصل أيضا يا حسرتي ، فقلبت الياء ألفا ثمّ حذفت الألف واكتفي عنها بالفتحة . وقرأ أبو الزّناد ، وابن هرمز ، وابن جندب ( يا حسره على العباد ) بالهاء السّاكنة ، قال في « المنتقى » : وقف ( على حسره ) وقفا طويلا تعظيما للأمر ، ثمّ قيل : ( على العباد ) . وفي « اللّوامح » : وقفوا على الهاء مبالغة في التّحسّر ، لما في الهاء من التّأهّه كالتّأوّه ، ثمّ وصلوه على تلك الحال . وقال الطّيّبيّ : إنّ العرب إذا أخبرت عن الشّيء غير معتدّ به أسرعت فيه ، ولم تأت على اللّفظ المعبّر عنه ، نحو قلت لها : قفي قالت لنا : قاف أي وقفت ، فاقتصرت من جملة الكلمة على حرف منها تهاونا بالحال ، وتثاقلا عن الإجابة . ولا يخفى أنّ هذا لا يناسب المقام ، وينبغي على هذه القراءة أن لا يكون ( على العباد ) متعلّقا ب ( حسرة ) أو صفة له ؛ إذ لا يحسن الوقف حينئذ بل يجعل متعلّقا بمضمر يدلّ عليه ( حسرة ) نحو يتحسّر أو أتحسّر على العباد ، وتقدير ( انظروا ) ليس بذاك ، أو خبر مبتدإ محذوف لبيان المتحسّر عليه ، أي الحسرة على العباد . وتخريج قراءة ( يا حسرتا ) بالألف على هذا الطّرز : بأن يقال : قدّر الوقف على المنصوب المنوّن فإنّه يوقف عليه بالألف ك كانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً الأحزاب : 27 ، وضرب زيد عمرا - ليس بشيء ، ولو سلّم أنّه شيء لا ينافي التّأييد . وقيل : ( يا ) للنّداء والمنادى محذوف ، و ( حسرة ) مفعول مطلق لفعل مضمر ، و ( على العباد ) متعلّق بذلك الفعل ، أي يا هؤلاء تحسّروا حسرة على العباد . ولعلّ الأوفق للمقام المتبادر إلى الأفهام أنّ المراد : نداء حسرة كلّ من يتأتّى منه التّحسّر ، ففيه من المبالغة ما فيه . ( 23 : 3 ) عبد الكريم الخطيب : يمكن أن يكون هذا نداء من الحقّ سبحانه وتعالى للحسرة ، لتقع على الكافرين المكذّبين برسل اللّه ، وأن تشتمل عليهم ، ليذوقوا عذاب النّدم ، إلى جانب العذاب الجهنّميّ ، نعوذ باللّه منهما ، وهذا ما يشير إليه سبحانه في قوله تعالى : لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ آل عمران : 156 . ويمكن أن يكون ذلك نداء تعجّبيّا من الوجود كلّه ، لهذه الحسرة الّتي تقع على النّاس ، استفظاعا لها ، واشفاقا منها أن تمتدّ ظلالها الكئيبة إلى كلّ موجود . ( 12 : 927 ) الطّباطبائيّ : أي يا ندامة العباد . ونداء الحسرة عليهم أبلغ من إثباتها لهم ، وسبب الحسرة ما يتضمّنه